في حضرة فرجينيا وولف / الفصل الاول ( القاهرة 2011)
(حين كانت
اللغة ضوءًا ينسكب من زجاج نافذة البحر، والماء يحتفظ بملامحي المؤقتة)
كل صباح، كنت أفتح النافذة
كمن يفتح صفحة بيضاء في كتاب قديم،
أراقب الضوء وهو يزحف على
أطراف الستائر،
يتسلل إلى جلدي، يوقظ فيّ
المدن التي لم أعشها،
الطرقات التي لم أعبرها،
النساء اللواتي كنّ وجهي في حياة أخرى.
كنت أسير على الحصى كمن يسير
على جملة لم تكتمل،
أنحني لألتقط الصمت المتناثر
بين الأعشاب،
أتحسس الخطوط السرية التي
ترسمها ظلال الأشجار على الإسفلت،
كأنها خريطة للهروب، أو
للعودة، أو للتيه الأبدي.
أدركت أخيرًا أنني لم أكن
أسير، بل كنت أبحث عن صوتي،
عن أثر خطواتي على صفحة
الماء، عن ظلّ امرأة لم تولد بعد،
ولكنها كانت تسكنني منذ
البدء.
إلى سيلفيا بلاث – الفصل الثاني ( سجن العباسية/ اسطنبول 2020)
(حين كانت
اللغة جرحًا مفتوحًا، والسجون تصنع من الصمت أغنيات مشنوقة)
لم يكن المنفى مكانًا، كان
جلدًا ضيقًا، كنت أرتديه كل صباح.
كنت أبحث عن نوافذ بين
الجدران، عن كسرة ضوء تتسلل مثل خنجر،
عن يد تمتد من العدم، عن صوت
يوقظ الغبار العالق في رئتي.
كتبت اسمي على الجدران
بأظافري، ثم نزفته،
رأيت وجهي يتشقق في مرآة
الليل، يتساقط كزجاج نافذة مهجورة.
لم أكن أصرخ، بل كنت أفتح
فمي وأترك الكلمات تهرب،
كطيور مذعورة تبحث عن سماء
لم يمسها الحريق.
وفي آخر الليل، حين يهدأ
الجوع وتنام الأسلاك الشائكة،
كنت أمسك الخيط الرفيع بيني
وبين الحياة،
أشدّه إلى صدري، أخشى أن
ينقطع، أخشى أن يظلّ متصلًا بي إلى الأبد.
3. مع كارين بوييه – الفصل ما قبل الأخير لوند 2025
(حين أصبحت
اللغة رداءً شفافًا، والمساء يلفّني كأغنية قديمة نسيتها منذ الولادة)
العالم يتلاشى عند الحواف،
يصبح أكثر ضبابية، أكثر خفة،
وأنا، أتحسس خطواتي كمن يمشي
فوق ماء بارد،
كمن يخطّ قصيدته الأخيرة على
صفحة الريح.
لم تعد الكلمات ثقيلة كما
كانت، لم تعد تقاتلني،
صارت خفيفة، شاحبة، تشبه
الطيور التي تغادر دون أن تلتفت،
أو الضوء الذي يتلاشى ببطء
في عيون من أنهكهم الانتظار.
لم أعد أبحث عن الأجوبة، لم
أعد أرسم خريطة لنجاتي،
الوقت ليس ماءً ولا سيفًا،
الوقت هو المسافة بين شهقة وبوح،
هو ارتعاشة أصابع فوق غبار
كتاب منسي،
هو صمت العالم حين يشيّع
ظلّك دون أن يعرف أنك كنت فيه يومًا.

Comments