كتبت بيسان عدوان

بيسان عدوان
في زمن الحروب والتفاوض، تُعد تجربة فيتنام مع الولايات المتحدة مثالًا يحتذى به في الصمود الاستراتيجي وإدارة الصراع ضد قوة عظمى. فيتنام، التي واجهت آلة الحرب الأمريكية الشرسة، نجحت ليس فقط في تحقيق النصر العسكري، بل أيضًا في فرض شروطها خلال المفاوضات. لقد أدرك الفيتناميون أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق السلام المشروط بالعدل، بل أن الصمود الشعبي والمقاومة المستمرة هما الأساس لأي تفاوض ناجح. وهذا الدرس يظل حاضرًا اليوم بينما تواجه المقاومة الفلسطينية في غزة ولبنان استراتيجيات استعمارية جديدة تهدف إلى ترويضها من خلال إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.
في خضم التوترات المستمرة في الشرق الأوسط، يتكشف واقع جديد ينبع من محاولات دولة الاحتلال، بدعم أمريكي، لإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية في المنطقة، خاصة بعد هزيمتها في غزة. هذا الواقع الجديد لا يقتصر فقط على الصراع المباشر بين دولة الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، بل يمتد ليشمل تحركات استراتيجية تستهدف الفلسطينيين في الشتات، ولا سيما في لبنان.
الهجوم الأخير لحزب الله على قواعد العدو في تل أبيب، تزامنًا مع خطاب حسن نصر الله، يشير إلى تصاعد خطير في التوترات، ويؤكد على أن المقاومة في لبنان لا تزال حاضرة بقوة، رغم محاولات إضعافها. هذا الهجوم، رغم رمزيته، يبرز فشل دولة الاحتلال في احتواء الجبهات المتعددة التي تواجهها، ويدفعها نحو تكتيكات جديدة تسعى من خلالها إلى ضرب المقاومة الفلسطينية في الخارج، حيث أصبحت المخيمات الفلسطينية في لبنان هدفًا رئيسيًا لهذه التكتيكات.
إن استهداف المخيمات الفلسطينية في لبنان ليس مجرد عملية أمنية محدودة، بل هو جزء من خطة أوسع تهدف إلى تفكيك البنية التحتية للمقاومة الفلسطينية في الشتات. هذه المخيمات، التي لطالما كانت ملجأ للفلسطينيين المطرودين من ديارهم، تمثل الآن تهديدًا استراتيجيًا لدولة الاحتلال، حيث أصبحت مرتعًا لتجنيد الشباب الفلسطيني لصالح المقاومة، خاصة حركة حماس .
الولايات المتحدة، التي تسعى لتحقيق رؤيتها الخاصة في المنطقة، تدعم هذه التحركات بكل قوة. فمن خلال الضغط على لبنان، واستهداف المخيمات الفلسطينية، تحاول واشنطن إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بما يتماشى مع مصالحها ومصالح حليفتها دولة الاحتلال. هذه الاستراتيجية لا تسعى فقط إلى تقويض المقاومة الفلسطينية، بل تهدف أيضًا إلى خلق بيئة جديدة في لبنان قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تهجير الفلسطينيين مجددًا، مما يسهم في تقليص حجم مشكلة اللاجئين التي طالما كانت حجر عثرة أمام أي تسوية دائمة للصراع.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال الرؤية الأمريكية التي ترى في استهداف المخيمات وسيلة لتحقيق أكثر من هدف. من ناحية، تساهم هذه العمليات في إضعاف المقاومة الفلسطينية عبر تشتيت قواها وضربها في مواقعها خارج فلسطين. ومن ناحية أخرى، تحاول الولايات المتحدة من خلال هذه الضغوط تسريع وتيرة المفاوضات بين دولة الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، بحيث يتم فرض تسوية تضمن مصالح الاحتلال وتُلبي الرؤية الأمريكية لحل المسألة الفلسطينية.
إذن، يمكن قراءة هذه التحركات ضمن إطار أوسع يعكس استمرار نهج الاستعمار الحديث، الذي لم يعد يعتمد على الاحتلال العسكري المباشر بقدر ما يعتمد على خلق الظروف الملائمة لإخضاع الشعوب وفرض إرادة القوى الكبرى عليها. إن هذا النهج، الذي يتماشى مع سياسات الإمبريالية الأمريكية في المنطقة، يسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بحيث تكون دولة الاحتلال محور الاستقرار والسيطرة، بعد إضعاف المقاومة الفلسطينية وإعادة ترتيب الأوراق السياسية والجغرافية بما يخدم هذا الهدف.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها تناقضات عميقة. فالضغط على الفلسطينيين في لبنان، ومحاولة تهجيرهم مرة أخرى، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. إذ أن المقاومة، التي أثبتت صمودها في غزة، قد تجد في هذا التحدي الجديد حافزًا لمزيد من التماسك والصلابة. فالمخيمات، رغم كل محاولات تفكيكها وضربها، لا تزال تشكل حاضنة حقيقية للمقاومة، وهي قادرة على إفراز أجيال جديدة من المناضلين الذين يرون في هذا الصراع مع الاحتلال معركة وجود وليست مجرد نزاع سياسي يمكن حله بتسوية تفرض من الخارج.
ما يحدث اليوم في لبنان، وفي المخيمات الفلسطينية تحديدًا، يعكس محاولة مستميتة من قبل دولة الاحتلال والولايات المتحدة لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية في المنطقة بما يتناسب مع مصالحهما. لكن هذه المحاولات، التي قد تبدو ناجحة في الظاهر، تحمل في طياتها بذور الفشل، إذ أن الشعب الفلسطيني، الذي عانى من الاحتلال والتهجير لعقود طويلة، لن يتخلى بسهولة عن حقوقه ولن يقبل بأي تسوية تنتقص من حقه في العودة وفي إقامة دولته المستقلة على كامل ترابه الوطني.
إن استهداف المخيمات في لبنان، رغم قسوته وما يحمله من دلالات استعمارية واضحة، لن ينجح في القضاء على روح المقاومة التي تتغلغل في وجدان كل فلسطيني. فالذاكرة الجماعية للفلسطينيين، التي تشكلت عبر عقود من الصراع والتهجير، لن تمحوها أي عمليات عسكرية أو اتفاقيات مفروضة. وهذه الحقيقة، التي تبدو مغيبة عن حسابات دولة الاحتلال وحليفتها الولايات المتحدة، قد تكون هي العامل الحاسم في فشل كل المخططات التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية تحت مسمى التسوية والسلام.
إن النضال الفلسطيني، الذي يمتد من غزة إلى المخيمات في لبنان، هو نضال وجودي يحمل في طياته قوة الإرادة والتصميم على تحقيق النصر. وما يحاول الاحتلال تحقيقه من خلال استهداف المخيمات في لبنان، سيتحول إلى معركة جديدة تضاف إلى معارك الفلسطينيين التي لن تنتهي إلا بتحقيق العدالة والحرية، مهما طال الزمن ومهما كانت التضحيات.
Comments