Skip to main content

تعدد الجبهات: صفارات الإنذار تدق في إسرائيل. بيسان عدوان

قال إسحق رابين في خطابه في الكنيست عام ١٩٧٣ "إن تعدد الجبهات هو وصفة للكارثة العسكرية. فإذا حاربت إسرائيل على جبهتين أو ثلاث جبهات في نفس الوقت، فإنها ستواجه صعوبة كبيرة في الدفاع عن نفسها. وسيكون من المستحيل عليها تحقيق نصر حاسم."

أدرك رابين أن إسرائيل، بسبب موقعها الجغرافي وتركيبها الديموغرافي، ليست في وضع يسمح لها بخوض حرب على جبهات متعددة في نفس الوقت. وقد دعا إلى اتباع استراتيجية دفاعية تركز على منع نشوب الحرب على جبهات متعددة، وإذا اندلعت الحرب، على هزيمة العدو على جبهة واحدة في كل مرة.

ظلت استراتيجية رابين حجر الزاوية في العقيدة العسكرية الإسرائيلية منذ ذلك الحين. إلا أن هذه العقيدة تعرضت للاهتزاز في الآونة الأخيرة، حيث أجبرت إسرائيل على خوض معارك في شمال أراضيها وفي سمائها على مدار ثمانية أشهر، محطمة بذلك أحد ركائز عقيدتها القتالية.

وتدرك إسرائيل الآن أن تعدد الجبهات يمثل تهديدًا متزايدًا، وأنها بحاجة إلى تطوير استراتيجية جديدة للتعامل مع هذا التهديد.

إن كابوس المعارك متعددة الجبهات هو تهديد وجودي حقيقي لإسرائيل. فإذا اضطرت إسرائيل لمواجهة أعدائها من عدة جبهات في وقت واحد، فإنها ستواجه صعوبة كبيرة في الدفاع عن نفسها. وهذه حقيقة أدركتها إسرائيل جيدًا، وهي تعمل على مراجعة عقيدتها العسكرية لتكون مستعدة لمثل هذا السيناريو.

ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجه إسرائيل في هذا الصدد كبيرة. فوضعها الجغرافي يجعلها عرضة للهجمات من جميع الجهات، كما أن تركيبتها الديموغرافية لا تسمح لها بحشد جيش كبير بما يكفي لمواجهة جبهات متعددة في نفس الوقت

وفي ضوء هذه التحديات، فإن إسرائيل بحاجة إلى تطوير استراتيجية جديدة للتعامل مع تهديد المعارك متعددة الجبهات. ومن المرجح أن تشمل هذه الاستراتيجية الاعتماد على التكنولوجيا المتقدمة والتحالفات الإقليمية.

ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطًا متزايدة للتصرف بشأن كابوس المعارك متعددة الجبهات. وسيحتاج إلى إيجاد طريقة لمعالجة هذا التهديد مع الحفاظ على أمن إسرائيل.

**تعدد الجبهات والقتال في العمق**

تُعتبر عقيدة إسرائيل العسكرية راسخة على مبدأ خوض المعارك على أراضي ومجال العدو الجوي، وليس على أراضي إسرائيلية. إلا أن هذه العقيدة تعرضت للاهتزاز في الآونة الأخيرة، حيث أجبرت إسرائيل على خوض معارك في شمال أراضيها وفي سمائها على مدار ثمانية أشهر، محطمة بذلك أحد ركائز عقيدتها القتالية.

وتكمن خطورة هذا التحول في العواقب الوجودية المحتملة على إسرائيل إذا ما فقدت سيطرتها على مسار الحرب الشاملة، حيث لا يخدمها في هذا الصدد لا وضعها الجغرافي ولا التركيبة الديموغرافية.

ويمثل خوض الصراع ضد إسرائيل عبر تحالف إقليمي منسق يشن هجمات من جبهات متعددة كابوسًا حقيقيًا بالنسبة لإسرائيل. فهي تدرك جيدًا أن ميزان القوى لا يميل في صالحها إلا إذا استفردت بجهة واحدة أو جبهة، وأن هزيمتها محتومة إذا واجهت الجميع في الوقت ذاته.

ويواجه الإسرائيليون خيارين لا ثالث لهما:

1. خوض حرب على جبهتين رئيسيتين وثلاث جبهات مساندة.

2. التنازل في قطاع غزة مقابل القتال على جبهة رئيسية واحدة مع احتمال التوصل إلى حل سياسي أفضل.

ويفضل المسؤولون الإسرائيليون إنهاء العملية في رفح قبل الشروع في عملية واسعة النطاق في لبنان.

ويعزز كل يوم من المواجهة في لبنان من موقف التفاوض الفلسطيني، ويساهم في توسيع مطالبه وتحريرها. ومن مصلحة إسرائيل إبرام صفقة عاجلة لتجنب مزيد من الخسائر.

وعليه فإن ابقاء الفلسطينيين واللبنانيين الجبهات مفتوحة ضد إسرائيل هو الذي يحقق انهاك للعدو الصهيوني ويحقق الأهداف من الحرب علي الساحة الفلسطينية في غزة وفي الجنوب اللبناني وعليه يجب الابقاء علي التنسيق والتعاون في العمليات العسكرية ضد إسرائيل بصورة أكبر وأكثر عمقا بين الفلسطينيين واللبنانيين، وشن هجمات سيبرانية على البنية التحتية الإسرائيلية الحيوية. بجانب الحرب الدعائية ضد إسرائيل دوليًا.

بالإضافة إلى الخيارات العسكرية، يمكن للفلسطينيين واللبنانيين أيضًا استخدام الوسائل الدبلوماسية والقانونية لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها. وهذا يشمل تقديم الشكاوى إلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

ومع ذلك، فإن إبقاء الجبهات مفتوحة ضد إسرائيل يتطلب جهدًا مستمرًا وتضحيات كبيرة من جانب الفلسطينيين واللبنانيين. كما يتطلب أيضًا دعمًا دوليًا واسع النطاق وقوة إرادة قوية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

إن كابوس المعارك متعددة الجبهات والقتال في العمق هو تهديد جدي لإسرائيل. وسيكون عليها التوصل إلى صفقة في قطاع غزة لتجنب المزيد من الخسائر، مالم يقر السنوار وأجنحته العسكرية والسياسية شئ أخر.

لمزيد من التفاصيل

https://180news.net/ar/news/4363480QGb

Comments

Popular posts from this blog

كتبت بيسان عدوان/ بعد الاستعمار: تحولات العقل الجمعي الفلسطيني

  "التاريخ هو في النهاية مسألة تأويل، ونحن نعيد كتابته باستمرار لنفهم ماضينا ونؤسس مستقبلنا." هذه المقولة للفيلسوفة جاكلين روس تعكس بدقة أزمة العقل الفلسطيني المرحلي التي نشأت منذ عام 1974 حتى "طوفان الأقصى"، فشهدت هذه الفترة تحولات جذرية في الفكر والسياسة الفلسطينية، مما أدى إلى تعميق الأزمات والانقسامات الداخلية، وتأجيل تحقيق الهدف الأسمى للتحرر الوطني الكامل. ولفهم هذه الأزمة بشكل أعمق، يجب النظر إلى هذه الفترات والأحداث في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي، وتحليل تأثيرها على العقل الجمعي الفلسطيني وفقاً لمنهجيات الدراسات ما بعد الاستعمارية.  مثل عام ١٩٧٤ تحول كبيرة في الاستراتيجية الفلسطينية. تم الانتقال من التركيز على الكفاح المسلح إلى البحث عن حلول دبلوماسية وسياسية. أدى هذا التحول إلى انقسامات داخلية في الفصائل الفلسطينية بين مؤيد ومعارض لهذه الاستراتيجية الجديدة. الانقسامات أدت إلى إضعاف الوحدة الوطنية وتقليل فعالية النضال الفلسطيني ضد الاحتلال.  مع اندلاع الانتفاضة الأولى 1987، برزت المقاومة الشعبية السلمية كقوة جديدة، مما أعطى القضية الفلسطينية زخماً كب...

في لزوم ما يلزم... أزمة المثقف الفلسطيني في زمن الابادة الجماعية في غزة

    قال إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" إن "المثقف هو الذي يرفض الخضوع للأنظمة السياسية والاقتصادية المهيمنة، ويظل ملتزمًا بالحقيقة حتى في مواجهة القوة". لكنه، في ذات الوقت، أضاف أن المثقف العربي غالبًا ما يكون في موقع الهزيمة الرمزية، حيث لا يملك الأدوات اللازمة لمقاومة الهيمنة الثقافية والسياسية التي تُفرض عليه. هذه الهزيمة التي وصفها سعيد ليست مجرد خضوع للاحتلال أو للأنظمة السياسية، بل هي هزيمة تتعلق بفقدان المثقف قدرته على تشكيل الوعي وتحقيق التغيير الفعلي . كتبت :بيسان عدوان 30 ديسمبر/ كانون الأول 2024     أكثر من 470 يومًا، تجسدت هذه الكلمات بشكل ملموس في مشهد غزة، حيث واجهت  المقاومة الفلسطينية  آلة الاحتلال العسكرية بأعظم التضحيات وأكثرها قسوة. كانت المعركة ليست فقط ضد الأجسام المادية، بل كانت أيضًا معركة فكرية وثقافية، طرح فيها الفلسطينيون أسئلة جوهرية عن مفهوم النصر والهزيمة في العصر الحديث. لقد أصبحت غزة، هذه الجغرافيا الجريحة، حلبة يتجسد فيها الصراع ليس فقط على الأرض، بل على الوعي والهوية والكرامة . منذ بدء وقف إطلاق النار في التاسع عشر...

ذِهنيّة "غيتو وارسو" في مَعازِل غَزّة: الاستِثناء الاستِعماري في القَرن الـ 21

  كتبت بيسان عدوان  في فيلم 'The Pianist'، لَخّصت امرأة يهودية مسنّة واقع الحياة المروّع داخل غيتو وارسو: "في العالَم الخارجي توجَد حياة، لكن هنا... هنا الموت ينتظر". واليوم، يتردّد في أذهاننا صدى هذا الوَصف ونحن نرى المَشهد المأساوي في غزة وما يطالُ سكّانها من قتل وتدمير وتجويع وحصار وتحويل مناطق إلى معازل قسرية، وكأنّ التاريخ يُعيد نَفسه في انتظار يومِي للموت. أَكثر من خمسمائة يوم من الحرب، تَكشف السّياسات الاستعمارية المنبثقة عن العقلية الصهيونية إذ تُعيد إدارة الحرب ليس لِحَسمها وصولًا لنصر متوهَّم، بل لتقسيم القطاع إلى "مربّعات" ومناطق نفوذ عسكري، في إعادة خَلق صورة مصغّرة من "غيتو وارسو" في عصرنا الحالي.  تتحوّل غزة الآن إلى مجرّد مجموعة من المربّعات المرقَّمة الخالية من الأَسماء. تُفرض على أهلها خرائط إخلاء قسرية، وكأنّهم قِطع شطرنج تُحرّك كيفما يَشاء المُحتل.  الإِبادة المُستمرّة 1948- 2025: تَسلسُل بنيوي للهندسة السكّانية لَم يَكن طّرد الفلسطينيين الجَماعي في العام 1948 مجرّد حَدَث تاريخي، بل بداية عمليّة هندسة ديمغرافية واسعة بدأتها إسرائ...