Skip to main content

من يربح حرب الغاز ؟ طوفان الأقصي وكنز المتوسط. بقلم بيسان عدوان


تدخل الهدنة المؤقتة الأولى حيز التنفيذ في قطاع غزة في يومها الأول، ورغم مراودة الأمل لدي الكثير من الفلسطينيين أنها تكون مقدمة لوقف إطلاق النار، لكن في حقيقة الأمر، أن حكومة الاحتلال لن تتوقف عن الحرب، بل إنها ستنتقل إلى مرحلة جديدة من تلك الحرب، ونظرا لعدم وجود أهداف محددة معلنة لدولة العدو غير القضاء علي حماس والمقاومة والتي فشلت فعليا من تحقيق ذلك، غير الخسائر العسكرية التي منيت به. سيظل لديها هدف استراتيجي لن تتنازل عنه هو حماية حقول الغاز في بحر غزة في حقلي تمارا ومارين والتي لن تقبل أن يتوقفا عن العمل كل ذلك الوقت الذي ينذر بخسائر فادحة. يذكر أن صادرات إسرائيل من الغاز الطبيعي هوت بنسبة 70% منذ أن أغلقت غاز "تمار" الشهر الماضي، وفي سياق ذي صلة حذر البنك المركزي البريطاني من تداعيات استمرار الحرب في غزة على أسعار الطاقة العالمية.

تلعب حقول الغاز في بحر غزة دورا استراتيجيا في تلك الحرب، بل يمكن اعتبارها ضمن المحرك الرئيسي للحرب بجانب وقف مسار التطبيع العربي الإسرائيلي، وتحرير الأسرى الفلسطينيين من سجون العدو، ولعل منع سيطرة إسرائيل الكلى أو الجزئي علي حقول الغاز الفلسطينية يعد هدفا أساسيا لا يمكن أن يكون محل تفاوض أو مساومة مع الإسرائيليين، ولعل ما حققه العدو من تدمير البنية التحتية لمدن غزة خاصة في الشمال والوسط قطاع غزة، ليس بسبب المقاومة الفلسطينيين فحسب، بل بسبب الثروات النفطية المتراكمة أمام سواحل غزة، خاصة آبار النفط والغاز الطبيعي، تلك التي سطا عليها الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات ويريد إبقاء سيطرتها عليهم في المستقبل، مهما كان السلطة أو الإدارة التي ستدير قطاع غزة بعد الحرب.

دوما كان يخشى الاحتلال من استهداف المقاومة لآبار الغاز الطبيعي في قطاع غزة، قبل سنوات سطا الاحتلال على مواقع إنتاج غاز حيوية تقع أمام السواحل الفلسطينية، ومن أبرز تلك الحقول "تمار" الواقع على بعد 25 كيلومترا فقط من السواحل الفلسطينية، وبلغ إنتاجه 10.25 مليارات متر مكعب من الغاز في عام 2022، وتم استخدام 85 % من الإنتاج في السوق المحلية، وتصدير 15 % إلى مصر والأردن. تقيد إسرائيل خطط الإنتاج في حقل مارين 1 ومارين 2 حيث عرقلت مد الأنابيب الخاصة بنقل الغاز، وكذلك بناء البنية التحتية لإيصال الغاز للمحطة؛ حيث تشترط نقله من خلال أنابيبها. وفي خطة للسيطرة على الحقل، اشترطت إسرائيل أن ينقل الغاز من الحقل إلى محطة تسييل الغاز في عسقلان، ليوزع من هناك إلى غزة والضفة، أو أي مكان آخر، إلا أن الشركة رفضت الخضوع للشروط الإسرائيلية.

تضم مياه غزة الإقليمية حقلان رئيسيان للغاز هما حقل غزة البحري وهو الحقل الرئيسي ويقع على عمق 603 متر تحت سطح البحر و36 كم غرب مدينة غزة. أمّا الحقل الحدودي فهو أصغر سعةً ويمتد عبر الحدود الدولية الفاصلة بين المياه الإقليمية لقطاع غزة والمياه الإقليمية لإسرائيل. وتقدِّر شركة الغاز البريطانية بحسب موقعها على شبكة الإنترنت حجم الاحتياطيات في الحقلين بتريليون قدم مكعب، في حين تعتقد شركة اتحاد المقاولين بأن الاحتياطي يبلغ 1.4 تريليون قدم مكعب. ولتقريب الصورة، يبلغ مخزون إيران من الغاز الطبيعي 991.6 تريليون قدم مكعب، أي أن كمية الغاز في الحقلين ليست ضخمة، ولكنها أكثر من كافية لتلبية احتياجات الفلسطينيين على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة وهو الموعد المقدَّر لنضوب مخزون الحقلين من الغاز وفقًا لمستويات الاستهلاك الحالية للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.


من يربح حرب الغاز ؟



تمثل الحرب المستمرة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية في غزة مخاطر أمنية عالية على حقول الطاقة في شرق البحر المتوسط بالنسبة لإسرائيل، فمنذ السابع من أكتوبر توقف العمل في حقل تمارا قبالة سواحل غزة الذي سيطرت على إنتاجه وصادراته سلطة العدو، الأمر الذي زاد من خسائر القطاع الطاقي في إسرائيل بل في القطاع الاقتصادي كله.

في الوقت الذي كانت حكومة حماس تعي ضخامة الثروات المتوافرة قبالة سواحل غزة، وأثناء الحرب التي حالت دون سطو الاحتلال على المزيد من الحقول، ورغم توقف الإنتاج في حقل تمار، ووقف التدفقات عبر خط أنابيب شرق المتوسط وإعطاء الأولوية لأمن الطاقة المحلى. كانت إسرائيل تدعو مزيدا من شركات الطاقة العالمية للتنقيب عن الغاز والنفط. وعلي الرغم من توقف كل الأعمال في حقول الغاز عن العمل الشهر الأول من الحرب، لكن دولة الاحتلال منحت 12 امتيازا بحريا للتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط. بحسب ما أعلنته وزارة الطاقة الإسرائيلية في نهاية أكتوبر 2023، حيث منحت إسرائيل 12 ترخيصا لست شركات للتنقيب عن الغاز الطبيعي بالقرب من حقلي تمارا ومارين في شرق المتوسط.

يحتوي حقل تمار على 10 تريليونات قدم مكعب من الغاز، وهو ثاني أكبر حقل إنتاجا في لدولة الاحتلال، ومصدر رئيسي لإمدادات السوق المحلية والصادرات إلى الدول المجاورة. كما أنها نقطة عبور للغاز من أكبر حقل في للعدو، وهو حقل ليفياثان (الذي تديره شركة شيفرون أيضا) والذي تبلغ طاقته 22 تريليونا قدم مكعب، ليتدفق إلى مصر.

تبلغ كمية الغاز الطبيعي الموجودة في حقل "غزة مارين" حوالي 33 مليار متر مكعب، ومن شأن هذه الكمية أن تسد احتياجات الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة 25 عاماً وفي حال تم تشغيل الحقل، فإن صافي أرباح السلطة الفلسطينية، من إنتاج الغاز وتصديره محلياً ودولياً سيبلغ نحو 150 مليون دولار سنوياً بحسب تقدير رسمي.

توقف العمل في حقول الغاز لأكثر من شهر يمثل خطورة كبيرة ليس لدولة الاحتلال فحسب، بل يشمل عدة دول إقليمية كان الاحتلال يعتبرهم زبائن رئيسة له، فمصر تستورد الغاز عبر خط أنابيب غاز شرق البحر الأبيض المتوسط، المعروف أيضا باسم خط أنابيب عسقلان- العريش، لكن التدفقات توقفت بعد أن وصلت إلى مستويات قياسية تصل إلى 900 مليون قدم مكعب يوميا في وقت سابق من العام. ثم كان على الواردات أن تسلك طريقا جديدا عبر خط أنابيب الغاز العربي بكميات أقل مما كانت تتلقاه القاهرة قبل الحرب. ورغم محاولة الاحتلال عبر شركة شيفرون استئناف التشغيل في حقل تمارا في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر في محاول لتعافي التدفقات إلى القاهرة التي تعتبر محطة لتصدير الغاز المسال إلى السوق الأوروبي. ومع دخول الشتاء واشتداد الحرب في قطاع غزة، الأمر الذي ينذر بخطورة شديدة.

قطاع الغاز يحتاج إطالة الحرب

اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن حربه في غزة هي حرب"وجودية" وتماهى معه المجتمع الإسرائيلي وأبدى استعداده لدفع ضريبة الحرب، وعليه سيكون علي الحكومة الحالية والقادمة بإعادة ترتيب الأوراق بما فيها سياستها الاقتصادية، خاصة في قطاع الغاز خاصة في الحقول الغاز الفلسطينية التي تسطوا عليه.

على الرغم من توقف العمليات في حقل تمارا بسبب الحرب، لكن وقف الحرب سيضر بعراب استثمار اسرائيل بحقول الغاز الفلسطينية وهو بنيامين نتنياهو، فهو على مدار سنوات تواليه رئاسة الحكومة الاسرائيلية كان ملف الغاز من اولويات حكومته، فصناعة الغاز الحديثة نسبيا قد تطورت بالكامل تقريبا في ظل عملية تنظيمية أشرف عليها حكومات نتنياهو، مع فترة 18 شهرا بين يونيو 2021 وديسمبر 2022، ليس في مجال الاستثمار بهذا القطاع فحسب، بل في إدارة الملفات المرتبطة بها كالاتفاقيات الدولية في دول الخليج ودول الاقليم الاردن ومصر وتركية، ومن ثمة إلي اوروبا، خاصة بعد بدء الحرب الاوكرانية الروسية.

قبل الحرب كان المشهد السياسي الاسرائيلي الداخلي بشأن صناعات الغاز والاستثمارات به متقلب للغاية لدرجة تفاقم العراقيل لحد غير مسبوق بين الاسرائيلين. وبعد الحرب وحقبة ما بعد نتنياهو من المرجح أن تواجه الصناعة قدرا كبيرا من الاشكاليات والعراقيل، ربما تصل الي درجة العداء لصناعة الغاز.

يشير المحللون أن المستقبل يحمل تهديدات كثيرة حول الصادرات الاسرائيلية لدول الجوار بسبب تعامل اسرائيل مع حرب غزة، وبما أن فترة قيادة نتنياهو لإسرائيل ستنتهي بعد أن تضع الحرب اوزارها، ووجود حكومة جديدة بعد الحرب سيكون اهتمامها منصب حول الاخفاقات الامنية التي منيت بها، سيكون ملف الغاز طي المجهول، مما يؤدي الي تراجع كبير في تلك الصناعة. ولانت نتائج الحرب غير محسوم ومجهولة من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى المخاطرة بمزيد من التدهور في المشهد الأمني الذي يهدد الصناعة بشكل مباشر.

فعلى سبيل المثال، كانت المخاطر المادية التي تتعرض لها أصول الغاز في إسرائيل، رغم أنها بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق واضحة تماما لأي مشغل في قطاعها قبل وقت طويل من بدء الصراع؛ وفي العام الماضي فقط عام 2022، وجه حزب الله اللبناني تهديدات مباشرة للأصول في حقل كالريش الإسرائيلي إلى أن نجح اتفاق بوساطة أمريكية في ترسيم الحدود البحرية لإسرائيل ولبنان.

وعليه فمع استمرار الحرب على غزة، ورغم محاولات نتنياهو من إبرام عقود لاستثمارات للتنقيب علي الغاز في حقول غزة كفرض سياسة الأمر الواقع على الطرفين سواء كان الفلسطينيون في غزة أو في الداخل الإسرائيلي، ستظل حالة عدم اليقين بشأن مستقبل صناعة الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط وقدرتها على أن تصبح مصدرا رئيسيا للأسواق الأوروبية أو الأسواق الأخرى. وعليه نفهم قيام الولايات المتحدة بتقليص صادراتها من الغاز للحفاظ على أمن الطاقة لديها منذ عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر

ومما لا شك الله فيه أن ما قبل طوفان الأقصى ليس كما بعده، الحرب قد غيرت آفاق المنطقة بطريقة غير مسبوقة أو أحدثت تغيرا بشكل جذري في توجهات دولة الاحتلال تجاه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بشكل عام، واي كانت نتائج الحرب على غزة، فهناك أضرار جسيمة لأصول الغاز سواء كان مقصودا أو غير مقصود، وسيمثل التحول الأكثر خطورة للأحداث بالنسبة للقطاع حتى الآن.

Comments

Popular posts from this blog

كتبت بيسان عدوان/ بعد الاستعمار: تحولات العقل الجمعي الفلسطيني

  "التاريخ هو في النهاية مسألة تأويل، ونحن نعيد كتابته باستمرار لنفهم ماضينا ونؤسس مستقبلنا." هذه المقولة للفيلسوفة جاكلين روس تعكس بدقة أزمة العقل الفلسطيني المرحلي التي نشأت منذ عام 1974 حتى "طوفان الأقصى"، فشهدت هذه الفترة تحولات جذرية في الفكر والسياسة الفلسطينية، مما أدى إلى تعميق الأزمات والانقسامات الداخلية، وتأجيل تحقيق الهدف الأسمى للتحرر الوطني الكامل. ولفهم هذه الأزمة بشكل أعمق، يجب النظر إلى هذه الفترات والأحداث في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي، وتحليل تأثيرها على العقل الجمعي الفلسطيني وفقاً لمنهجيات الدراسات ما بعد الاستعمارية.  مثل عام ١٩٧٤ تحول كبيرة في الاستراتيجية الفلسطينية. تم الانتقال من التركيز على الكفاح المسلح إلى البحث عن حلول دبلوماسية وسياسية. أدى هذا التحول إلى انقسامات داخلية في الفصائل الفلسطينية بين مؤيد ومعارض لهذه الاستراتيجية الجديدة. الانقسامات أدت إلى إضعاف الوحدة الوطنية وتقليل فعالية النضال الفلسطيني ضد الاحتلال.  مع اندلاع الانتفاضة الأولى 1987، برزت المقاومة الشعبية السلمية كقوة جديدة، مما أعطى القضية الفلسطينية زخماً كب...

في لزوم ما يلزم... أزمة المثقف الفلسطيني في زمن الابادة الجماعية في غزة

    قال إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" إن "المثقف هو الذي يرفض الخضوع للأنظمة السياسية والاقتصادية المهيمنة، ويظل ملتزمًا بالحقيقة حتى في مواجهة القوة". لكنه، في ذات الوقت، أضاف أن المثقف العربي غالبًا ما يكون في موقع الهزيمة الرمزية، حيث لا يملك الأدوات اللازمة لمقاومة الهيمنة الثقافية والسياسية التي تُفرض عليه. هذه الهزيمة التي وصفها سعيد ليست مجرد خضوع للاحتلال أو للأنظمة السياسية، بل هي هزيمة تتعلق بفقدان المثقف قدرته على تشكيل الوعي وتحقيق التغيير الفعلي . كتبت :بيسان عدوان 30 ديسمبر/ كانون الأول 2024     أكثر من 470 يومًا، تجسدت هذه الكلمات بشكل ملموس في مشهد غزة، حيث واجهت  المقاومة الفلسطينية  آلة الاحتلال العسكرية بأعظم التضحيات وأكثرها قسوة. كانت المعركة ليست فقط ضد الأجسام المادية، بل كانت أيضًا معركة فكرية وثقافية، طرح فيها الفلسطينيون أسئلة جوهرية عن مفهوم النصر والهزيمة في العصر الحديث. لقد أصبحت غزة، هذه الجغرافيا الجريحة، حلبة يتجسد فيها الصراع ليس فقط على الأرض، بل على الوعي والهوية والكرامة . منذ بدء وقف إطلاق النار في التاسع عشر...

ذِهنيّة "غيتو وارسو" في مَعازِل غَزّة: الاستِثناء الاستِعماري في القَرن الـ 21

  كتبت بيسان عدوان  في فيلم 'The Pianist'، لَخّصت امرأة يهودية مسنّة واقع الحياة المروّع داخل غيتو وارسو: "في العالَم الخارجي توجَد حياة، لكن هنا... هنا الموت ينتظر". واليوم، يتردّد في أذهاننا صدى هذا الوَصف ونحن نرى المَشهد المأساوي في غزة وما يطالُ سكّانها من قتل وتدمير وتجويع وحصار وتحويل مناطق إلى معازل قسرية، وكأنّ التاريخ يُعيد نَفسه في انتظار يومِي للموت. أَكثر من خمسمائة يوم من الحرب، تَكشف السّياسات الاستعمارية المنبثقة عن العقلية الصهيونية إذ تُعيد إدارة الحرب ليس لِحَسمها وصولًا لنصر متوهَّم، بل لتقسيم القطاع إلى "مربّعات" ومناطق نفوذ عسكري، في إعادة خَلق صورة مصغّرة من "غيتو وارسو" في عصرنا الحالي.  تتحوّل غزة الآن إلى مجرّد مجموعة من المربّعات المرقَّمة الخالية من الأَسماء. تُفرض على أهلها خرائط إخلاء قسرية، وكأنّهم قِطع شطرنج تُحرّك كيفما يَشاء المُحتل.  الإِبادة المُستمرّة 1948- 2025: تَسلسُل بنيوي للهندسة السكّانية لَم يَكن طّرد الفلسطينيين الجَماعي في العام 1948 مجرّد حَدَث تاريخي، بل بداية عمليّة هندسة ديمغرافية واسعة بدأتها إسرائ...