Skip to main content

الاستيطان الجديد العودة إلى غزة وسيناء كتبت بيسان عدوان

في نهاية أكتوبر الماضي وحين دخلت الدبابات الاسرائيلية الي شمال قطاع غزة، امتلاءت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي العبرية بتصدير صور كثيرة لجنودها يحملون اعلام دولتهم ويعلقونها علي البيوت الفلسطينية ويقفون في مصفوفة علي شكل حيت حول العلم الاسرائيلي وينشدون " هتيكفا" ، وهناك صور فيها جنود علقوا اعلامهم علي الدبابات وكتبوا لافتات تذكارية لرفاقهم الذين قتلوا في معاركهم ضد المقاومة الفلسطينية، لآو اسماء قيادات استيطانية مدانة باعمال العنف والقتل ضد الفلسطينيين،  بجانب صور لجنود يغرسون بعض الشجر في مواقع التي وصلوا لها في الشمال يكتبون بها " من أجل نهضة إسرائيل "، وصور ومقاطع فيديو بها  جنود لواء “بنيامين” وهم يرقصون علي جثث واشلاء الفلسطينيين. ومن أكثر الصور أهمية تلك التي حمل بها الجنود الاسرائيليين  لافتة مكتوب عليها “غوش قطيف، عدنا!”

تلك الصور والمقاطع الفيديو لا تبدو عشوائية أو وليدة الموقف والشعور الانتقامي من المقاومة الفلسطينية فحسب، بل هي خطة ممنهجة يقوم بها الكثير من المستوطنيين عبر حملة اعلامية منظمة تدع الي العودة للاستيلاء علي قطاع غزة، عودة الي المستوطنات التي انسحبوا منها منذ عام 2005، واجبروا علي اخلائها وتسليمها للفلسطينيين. 

" كلها لنا.. من الفرات إلى العريش"

 هذا شعار الحملة الاسرائيلية للسيطرة علي قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء المصرية، تلك الحملة ليست مجرد فقاعة اعلامية أو ضغوط من المستوطنيين عبر فرض الراي العام الاسرائيلي الاستيطاني موقفه ومشاريعه وعلي الحكومة الاسرائيلية الاستجابة لها عبر الموافقة عليها، او اقرار قانون او قرار للكنيست بموجبه يتم ذلك، بل هي خطة رسمية كشفت عنها احدي الناشطين السياسيين دانييلا فايس، إحدى أولى قادة مستوطنات "غوش إيمونيم"، خريطة "سيجال"– وهي الخريطة التي تكشف كل مستوطنات بالأراضي المحتلة، حيث صرحت فايس في مقابلة مع القناة  14 " ليس غزة وحدها لنا، بل كامل الأرض التوراتية الموعودة، من الفرات في الشمال إلى العريش في مصر".

 مشروع العودة إلي غزة وسيناء والذي يحمل اسم " خريطة سيجال" التقطه المستوطنيين وبدأو حملة شعبية تحت شعار العودة إلى مستوطنات "غوش قطيف" وهو الاسم الذي يطلقوه علي غزة، بدأ فنانون وحاخامات يروجون في عروضهم أمام الجنود إلى إعادة السيطرة على القطاع . 

رغم أن أهداف الاسرائيلية من الحرب علي غزة معلنة وهي القضاء علي حماس والقسام، واعادة أسري السابع من اكتوبر تشرين الاول الماضي، لكن علي ارض الواقع وسير المعارك بعد ليلة السابع والعشرين من اكتوبر وهي ليلة التوغل البري للقطاع، الا ان سياسات الارض المحروقة التي تتبعها دولة الاحتلال وتهجير السكان قسرا الي الوسط والجنوب كمرحلة اولي، وتوغلها في اراضي الشمال وغزة وتمركزهم بالياتهم كحرف داليت بالعبرية، يخبر بما هو اكثر من الاهداف المعلنة. 

 كشف تقرير " تايمز أوف إسرائيل" أنه بعد إثارة قلوب الجنود الإسرائليون بهتافات "عائدون إلى جوش قطيف" و"سنقيم شاطئ نوفا على شواطئ غزة" – وهي نداءات مثيرة للجدل، فضلا عن تعارضها مع أهداف الحرب في غزة – انتقل المغني الشعبي الإسرائيلي حنان بن آري إلى التحريض عبر اغانية وحفلاته التي يقيمها للجنود في معسكراتهم لقتل الفلسطينيين، وشكلت تلك الحفلات نواة للحملة لعودة الي غوش قطيف وبدأت تتسع داخل الجيش الاسرائيلي. رغم ادانات بعض قادة الجيش لتلك السلوكيات لكن لا يوجد اي تعليمات واضحة ودقيقة او حاسمة بشأن وقفها او وقف اي من نشاطاتها داخل الجيش، والتي تطالب الدولة بالسيطرة على القطاع وإعادة بناء مستوطنات "غوش قطيف".

ليس علي المستوي الشعبي،فحسب، بل هناك اصوات سياسية وحكومية تدعو إلي ذلك، نقلت صحيفة "هآرتس"  الاربعاء الماضي 14 نوفمبر/تشرين الثاني، عن وزير التعليم من حزب "الليكود" يوآف كيش عدم استبعاده التحرك لإعادة المستوطنات إلى قطاع غزة. مؤكدا علي إعادة الاستيطان في القطاع بالقول"لا يوجد وضع قائم ولا شيء مقدس".

العودة لغزة هدف الحرب غير المعلن 

الكثير من الآصوات التي تعلو داخل الكنيست والوزراء حول رغبتهم في إعادة بناء المستوطنات في قطاع غزة، تلك الرغبات تترجم الي عدم الانسحاب من الاماكن التي استولت عليها في غزة بعد انتهاء الحرب. 

صحيح أن نتنياهو اضطر الي اصدار توضيح بأن إسرائيل لا تنوي العودة إلى غوش قطيف،  لكنه وردا على سؤال بمؤتمر صحفي في تل أبيب عن موقفه بشأن الدعوات لإعادة الاستيطان في "غوش قطيف"، رأى نتنياهو أنه "ليس هدفا واقعيا". لكنه في المقابلة نفسه صرح ب"ستكون غزة منزوعة السلاح ولن يكون هناك تهديد من قطاع غزة لإسرائيل، ولكي يحدث ذلك هناك حاجة إلى سيطرة أمنية كاملة على قطاع غزة". أما الوزير في المجلس الحربي بيني غانتس، فقال في نفس المؤتمر: "كل ملاحظاتنا فيما يتعلق بالسيطرة على القطاع وما حوله يجب أن تتم لأسباب أمنية فقط، وهذا ما نفعله الآن".

وطبقا للاستطلاع  نشرته صحيفة "معاريف" يوم الجمعة الماضي، فإن 41 بالمئة من الإسرائيليين يؤيدون مغادرة غزة بعد الحرب، و44 بالمئة يريدون إبقاء سيطرة إسرائيل عليها. بينما أيّد 22 بالمئة إبقاء قطاع غزة تحت السيطرة العسكرية والأمنية الإسرائيلية فقط، مقابل تأييد 22 بالمئة لبقاء إسرائيل في القطاع، بما في ذلك إقامة المستوطنات.

نعود ادراجنا لخريطة سيجال والحملة التي تنتشر بشكل كبير في اوساط  سياسيين واعضاء كنيست من كافة التيارات ومن المستوطنيين والجنود الاسرائيليين، تلك الخطة عبر عنها عضو الكنيست أميت هاليفي، الذي كشف عن برنامج منظم حول كيفية التصرف في قطاع غزة بالقول " سيؤدي احتلال قطاع غزة إلى مقتل مئات أو آلاف الجنود، بالإضافة إلى الثمن الباهظ الذي تم دفعه منا بالفعل في هذه الحملة، لن يتم دفع ثمن باهظ إلا إذا انتظرنا، ولم نوجه ضربة ساحقة لحماس، ضربة على حدود عشرة آلاف قتيل من شعبها. إذا تأكدنا من أن لديهم الكثير من القتلى وأنهم 400 ألف لاجئ يهربون عبر معبر رفح". 

وذكر هاليفي الخطوات العملية لتلك الخطة قائلا أن للحرب اهداف ذات أربعة أبعاد: 

أولاً، التحرير الكامل لقطاع غزة من احتلال حماس الغاشم، مع الانهيار الكامل والنهائي لحكمها وعودة السيطرة العسكرية والمدنية إلى دولة إسرائيل. 

ثانياً، القضاء على عشرات الآلاف من مقاتلي حماس أو طردهم من قطاع غزة ( طرد 40 الف مقاتل ينتمي لحماس) وكل العمال الفلسطينيين خارج القطاع، والقضاء على كافة البنى التحتية للمنظمة.

ثالثاً، توجيه ضربة نفسية حاسمة من خلال القطع الفوري وقصف كافة البنى التحتية حتى استسلامها من كهرباء ووقود ومعدات. المياه والاتصالات والإنترنت والطرق.

رابعاً، فتح أبواب قطاع غزة على الحدود المصرية، وليس كما يفعل الجيش الإسرائيلي الآن، وهو ما يدفع سكان القطاع إلى الدخول إلى المدن. ويجب فتح أبواب الهجرة إلى مصر والبحر. اسمح للناس بالخروج ووضح: من اختار الخروج فقد خرج. ومن بقي فالدم في رأسه. أنا وأصدقائي لن نتفق على أقل من هذا.

بعد الحرب رسم هاليفي السياسات التي يجب العمل عليها وهي تقسيم القطاع إلى خمسة أجزاء، قائلا " يجب آن تقام خمس مدن (مستوطنات ) مركزية في قطاع غزة، يقطنها حوالي 100 ألف نسمة على الأقل في كل واحدة منها"، مفسرا أن تلك الكتلة السكانية هي لقطع الاستمرارية العربية هناك. 

 كل مدينة يكون لها اسوار عالية تحيط بها، يجب تطهير بقية القطاع من المباني العربية و تدمير كل الجسور والشبكات والمباني  في جميع البلديات والقواعد والمنازل وجميع القواعد والانظمة التي بنتها حماس في الفترة التي حكمت بها القطاع". 

ويختم هاليفي خطته قائلا " العالم كله ينظر إلينا الآن، كل شيء يتعلق بالتحرير الكامل للقطاع واستعادة سيطرتنا العسكرية والمدنية هناك. هذه فرصة لإحداث تغيير جذري في النظام الإقليمي، ويجب إعادة السيطرة العسكرية والمدنية الإسرائيلية هناك، هكذا، في نهاية هذه الحرب الصعبة، سنحقق السلام الذي طال انتظاره".

علي عكس التصريحات الرسمية الاسرائيلية والتصريحات الاميريكية والغربية حول عدم اعادة احتلال قطاع غزة، لكن واقعيا قال وزير الدفاع، يوآف غالانت الخميس 16 نوفمبر/تشرين الثاني " أن الجيش بدأ المرحلة التالية للسيطرة على المدينة بأكملها، حيث أمرت إسرائيل المدنيين بمغادرة 4 بلدات جنوب قطاع غزة، و أمرت منشورات أسقطتها طائرة إسرائيلية خلال الليل المدنيين بمغادرة خزاعة وعبسان وبني سهيلا والقرارة على المشارف الشرقية لمدينة خان يونس في جنوب القطاع. وتلك البلدات يسكنها إجمالاً أكثر من مائة ألف نسمة وقت السلم لكنها تؤوي حالياً أعداداً إضافية تقدر بعشرات الآلاف ممن فروا من مناطق أخرى.

يذكر أن الجيش الإسرائيلي فصل شمال قطاع غزة عن مناطق الوسط والجنوب، ثم بدأ بالتحرك نحو مدينة غزة من الجنوب والشرق قرب الساحل ويتجه نحو قلب المدينة. وأمرت إسرائيل بالفعل بإخلاء النصف الشمالي بأكمله من قطاع غزة قبل أن تدخله قوات برية في أواخر الشهر الماضي.

500 الف مستوطن في غزة بدلا من الفلسطينيين

خلال الحرب الاسرائيلية علي غزة، تحاول اسرائيل والولايات المتحدة طرح العديد من المشروعات والافكار حول " ماذا بعد الحرب"، وخرجت التسريبات من كافة المؤسسات والمراكز البحثية لطرح مشروع توطين الفلسطينيين في سيناء واجبارهم للخروج من القطاع غزة والفرار تجاه مصر، وكشفت التشريبات الاعلامية عن نقل المدنيين الفلسطينيين البالغ عددهم 2 مليون وثلاثمائة الف نسمة الي مخيمات في سيناء ثم بناء مدن دائمة وممر انساني. 

رفضت الحكومة المصرية تلك المقترحات او التسريبات والخطط التي حملها القادة الاوربيين والاميريكان حول ذلك المشروع، واغلقت معبر رفح كاملا رغم كل المطالب الدولية لفتح المعبر من اجل ادخال المساعدات الدولية للفلسطينيين في غزة، لكن الرئاسة المصرية والحكومة كان ردهم القاطع بانهم " لن يسمح بحل أو تصفية قضايا إقليمية على حسابها". 

وذكرت مصادر مصرية رفيعة لوسائل الاعلام " أن المخطط كان يستهدف اقتطاع مناطق من سيناء تشمل جزءا من الشريط الممتد بنحو 24 كيلومترا على طول شاطئ البحر المتوسط من رفح غربا حتى العريش، بالإضافة إلى شريط يقع غرب كرم أبو سالم جنوبا، ومقابل هذه الزيادة تعطي إسرائيل لمصر منطقة جنوب غرب النقب". 

علي الرغم من رفض القاهرة أي اقتراح بحدوث نزوح جماعي من غزة إلى سيناء، إلا أنها لا تزال "تتعرض لضغوط من الدول الغربية التي تقدم أيضًا حوافز اقتصادية في محاولة منها للوصول إلى اتفاق" ونقلا عن مصادر داخل دوائر صنع القرار في مصر  اشارت الي إن هناك بعض "الميل لقبول" تدفق أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى سيناء، إذا قدم الشركاء الدوليون حوافز اقتصادية، ومع ذلك احتمال تقديم دعم مالي طويل الأمد للفلسطينيين في مصر، سواء من القاهرة أو دوليًّا، يبدو بعيدًا جدًّا.

كشفت وكالة “بلومبرغ” عن خطة أوروبية لإغراء مصر، قائلة إن الاتحاد الأوروبي يسرع وتيرة جهوده لتعميق علاقاته مع القاهرة ومساعدتها على التعامل مع التداعيات المتفاقمة في الصراع في قطاع غزة على حدودها، وتشمل الخطة وفقا للوكالة ست أولويات تغطي مجالات الاقتصاد والاستثمارات والهجرة والأمن، ومن المقرر أن يقترح الاتحاد خطة استثمارية تهدف إلى ضخ تسعة مليارات يورو. 


Comments

Popular posts from this blog

كتبت بيسان عدوان/ بعد الاستعمار: تحولات العقل الجمعي الفلسطيني

  "التاريخ هو في النهاية مسألة تأويل، ونحن نعيد كتابته باستمرار لنفهم ماضينا ونؤسس مستقبلنا." هذه المقولة للفيلسوفة جاكلين روس تعكس بدقة أزمة العقل الفلسطيني المرحلي التي نشأت منذ عام 1974 حتى "طوفان الأقصى"، فشهدت هذه الفترة تحولات جذرية في الفكر والسياسة الفلسطينية، مما أدى إلى تعميق الأزمات والانقسامات الداخلية، وتأجيل تحقيق الهدف الأسمى للتحرر الوطني الكامل. ولفهم هذه الأزمة بشكل أعمق، يجب النظر إلى هذه الفترات والأحداث في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي، وتحليل تأثيرها على العقل الجمعي الفلسطيني وفقاً لمنهجيات الدراسات ما بعد الاستعمارية.  مثل عام ١٩٧٤ تحول كبيرة في الاستراتيجية الفلسطينية. تم الانتقال من التركيز على الكفاح المسلح إلى البحث عن حلول دبلوماسية وسياسية. أدى هذا التحول إلى انقسامات داخلية في الفصائل الفلسطينية بين مؤيد ومعارض لهذه الاستراتيجية الجديدة. الانقسامات أدت إلى إضعاف الوحدة الوطنية وتقليل فعالية النضال الفلسطيني ضد الاحتلال.  مع اندلاع الانتفاضة الأولى 1987، برزت المقاومة الشعبية السلمية كقوة جديدة، مما أعطى القضية الفلسطينية زخماً كب...

في لزوم ما يلزم... أزمة المثقف الفلسطيني في زمن الابادة الجماعية في غزة

    قال إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" إن "المثقف هو الذي يرفض الخضوع للأنظمة السياسية والاقتصادية المهيمنة، ويظل ملتزمًا بالحقيقة حتى في مواجهة القوة". لكنه، في ذات الوقت، أضاف أن المثقف العربي غالبًا ما يكون في موقع الهزيمة الرمزية، حيث لا يملك الأدوات اللازمة لمقاومة الهيمنة الثقافية والسياسية التي تُفرض عليه. هذه الهزيمة التي وصفها سعيد ليست مجرد خضوع للاحتلال أو للأنظمة السياسية، بل هي هزيمة تتعلق بفقدان المثقف قدرته على تشكيل الوعي وتحقيق التغيير الفعلي . كتبت :بيسان عدوان 30 ديسمبر/ كانون الأول 2024     أكثر من 470 يومًا، تجسدت هذه الكلمات بشكل ملموس في مشهد غزة، حيث واجهت  المقاومة الفلسطينية  آلة الاحتلال العسكرية بأعظم التضحيات وأكثرها قسوة. كانت المعركة ليست فقط ضد الأجسام المادية، بل كانت أيضًا معركة فكرية وثقافية، طرح فيها الفلسطينيون أسئلة جوهرية عن مفهوم النصر والهزيمة في العصر الحديث. لقد أصبحت غزة، هذه الجغرافيا الجريحة، حلبة يتجسد فيها الصراع ليس فقط على الأرض، بل على الوعي والهوية والكرامة . منذ بدء وقف إطلاق النار في التاسع عشر...

ذِهنيّة "غيتو وارسو" في مَعازِل غَزّة: الاستِثناء الاستِعماري في القَرن الـ 21

  كتبت بيسان عدوان  في فيلم 'The Pianist'، لَخّصت امرأة يهودية مسنّة واقع الحياة المروّع داخل غيتو وارسو: "في العالَم الخارجي توجَد حياة، لكن هنا... هنا الموت ينتظر". واليوم، يتردّد في أذهاننا صدى هذا الوَصف ونحن نرى المَشهد المأساوي في غزة وما يطالُ سكّانها من قتل وتدمير وتجويع وحصار وتحويل مناطق إلى معازل قسرية، وكأنّ التاريخ يُعيد نَفسه في انتظار يومِي للموت. أَكثر من خمسمائة يوم من الحرب، تَكشف السّياسات الاستعمارية المنبثقة عن العقلية الصهيونية إذ تُعيد إدارة الحرب ليس لِحَسمها وصولًا لنصر متوهَّم، بل لتقسيم القطاع إلى "مربّعات" ومناطق نفوذ عسكري، في إعادة خَلق صورة مصغّرة من "غيتو وارسو" في عصرنا الحالي.  تتحوّل غزة الآن إلى مجرّد مجموعة من المربّعات المرقَّمة الخالية من الأَسماء. تُفرض على أهلها خرائط إخلاء قسرية، وكأنّهم قِطع شطرنج تُحرّك كيفما يَشاء المُحتل.  الإِبادة المُستمرّة 1948- 2025: تَسلسُل بنيوي للهندسة السكّانية لَم يَكن طّرد الفلسطينيين الجَماعي في العام 1948 مجرّد حَدَث تاريخي، بل بداية عمليّة هندسة ديمغرافية واسعة بدأتها إسرائ...