السويد في اختبارها التاريخي .. وهم الديمقراطية
السويد أمام اختبارها التاريخي
لم تعد الأزمة التي تواجهها السويد اليوم تتعلق فقط بموقفها من فلسطين أو بسياساتها الخارجية، بل أصبحت أزمة تمس طبيعة النظام الديمقراطي ذاته وحدود قدرته على تمثيل المجتمع وحماية الحريات التي يدّعي الدفاع عنها.
فعلى مدى عقود قامت الهوية السياسية السويدية الحديثة على مجموعة من الركائز شكّلت أساس ما عُرف بـ”النموذج السويدي”: دولة الرفاه، والحياد، والتماسك الاجتماعي، والثقة العالية بالمؤسسات، وحرية التعبير، والتضامن الدولي.
غير أن ما شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة، وتسارع بصورة لافتة بين عامي 2023 و2026، يكشف أن هذا النموذج دخل مرحلة من التآكل العميق.
فقد قامت شرعية الديمقراطية السويدية تاريخياً على فكرة أن الدولة لا تمثل السلطة فقط، بل تمثل أيضاً الحماية الاجتماعية والعدالة والتوازن بين رأس المال والمجتمع.
إلا أن التحولات الاقتصادية والسياسية والأمنية الأخيرة أخذت تعيد تعريف وظيفة الدولة نفسها. فبدلاً من أن تكون أداة لضمان العدالة الاجتماعية وتقليص التفاوتات، تتجه تدريجياً نحو أداء أمني وإداري أكثر منه اجتماعياً وديمقراطياً.
ويتجلى ذلك في اتساع الفجوة بين المجتمع والنخبة السياسية. فكثير من السويديين يشعرون اليوم بأن القرارات الكبرى لم تعد تُصاغ انطلاقاً من الإرادة الشعبية، بل داخل شبكة معقدة من المؤسسات الاقتصادية والأمنية والإعلامية والتحالفات الدولية التي لا تخضع فعلياً للمساءلة الديمقراطية المباشرة.
ولم يعد هذا الشعور مقتصراً على الفئات المهمشة أو القوى الراديكالية، بل أصبح جزءاً من الخطاب العام داخل المجتمع السويدي، خاصة مع تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية ووسائل الإعلام والمؤسسات البرلمانية.
ولذلك تبدو الأزمة الحالية أعمق من مجرد أزمة حكومات أو أحزاب؛ إنها أزمة تمثيل سياسي. فالنظام البرلماني، الذي كان يُنظر إليه بوصفه التعبير الأعلى عن الإرادة الشعبية، أصبح بالنسبة لكثيرين عاجزاً عن إحداث تغيير حقيقي في القضايا البنيوية الكبرى، سواء في الاقتصاد أو العدالة الاجتماعية أو المناخ أو الهجرة أو السياسة الخارجية.
تتغير الحكومات، لكن الاتجاه العام للدولة يبقى إلى حد كبير ثابتاً، وكأن السياسة اختُزلت في إدارة تقنية للأزمات ضمن حدود مرسومة سلفاً.
وهنا يكمن أحد أخطر التحولات التي تواجه الديمقراطيات الغربية اليوم: الانتقال التدريجي من دولة الرفاه إلى الدولة الأمنية.
فالتحدي الأكبر الذي تواجهه السويد ليس فقط صعود اليمين الشعبوي، بل تطبيع هذا التحول الأمني داخل المؤسسات الديمقراطية نفسها. فعندما تتبنى الأحزاب التقليدية أجزاء واسعة من الخطاب الأمني والقومي، وعندما يصبح “الاستقرار” أولوية تتقدم على الحريات والحقوق الاجتماعية، فإن طبيعة الديمقراطية نفسها تتغير، حتى لو بقي شكلها الخارجي على حاله.
ومن ثم فإن الخطر الحقيقي على الديمقراطية السويدية لا يكمن فقط في احتمال صعود نظام سلطوي صريح، بل في التآكل البطيء للمجال الديمقراطي من الداخل. فالديمقراطية لا تنهار دائماً عبر الانقلابات أو إلغاء الانتخابات أو الرقابة المباشرة، بل قد تتآكل تدريجياً عندما يفقد المجتمع قدرته على التأثير الحقيقي، ويصبح الخوف أقوى من الحقيقة، والأمن أهم من الحرية، ويغدو الصمت أكثر أماناً من العدالة.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي يواجه السويد اليوم يتجاوز مجرد خلاف سياسي أو أزمة عابرة:
ما الذي سيتبقى من الديمقراطية عندما تتحول إلى نظام يدير الخوف أكثر مما يحمي الحرية؟ وهل تستطيع السويد الحفاظ على إرثها الديمقراطي والاجتماعي في عالم يزداد عسكرةً ومراقبةً، ويعيد تعريف السياسة بوصفها قضية أمنية بالدرجة الأولى؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل السويد وحدها، بل ستحدد أيضاً معنى الديمقراطية الأوروبية في العقود القادمة.
المصدر: نُشرت هذه المادة باللغة السويدية عبر منصة Växjö Gnista المستقلة.
🔗 للاطلاع على الموقع المصدر اضغط هنا
@إشارة
بيسان عدوان
Comments